فصل: ما وقع من أحداث سنة أربع عشرة وسبعمائة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ أبي الفداء (نسخة منقحة)



.ما وقع من أحداث سنة أربع عشرة وسبعمائة:

ثم دخلت سنة أربع عشرة وسبعمائة فيها وصلت إلى حماة، عائداً من الحجاز الشريف، في حادي عشر المحرم.
وفيها في أواخر جمادى الآخرة، حصل لي مرض حاد، أيقنت منه بالموت، ووصيت وتأهبت لذلك، ثم إن الله تعالى تصدق علي بالعافية.
وفيها جردت العساكر إلى حلب، فجردت جميع عسكر حماة، أقمت بسبب التشويش. وفيها في رجب، توفي الأمير سيف الدين سودي نائب السلطنة بحلب، فولى السلطان نيابة السلطنة بحلب، الأمير علاء الدين الطنبغا الحاجب، ووصل إلى حلب واستقر بها نائباً بموضع سودي، في أوائل شعبان من هذه السنة.
وفيها في ذي الحجة، جمع حميضة بن أبي نمي وقصد أخاه أبا الغيث بن أبي نمي صاحب مكة، وكان أبو الغيث منتظراً وصول الحجاج ليعتضد بهم، فابتدره حميضة قبل وصول الحجاج، واقتتل معه، فانتصر حميضة وأمسك أخاه أبا الغيث وذبحه، ثم هرب حميضة لقرب الحجاج منه، فلما قضى الحجاج مناسكهم وعادوا إلى البلاد، عاد حميضة إلى مكة، واستولى عليها.

.ما وقع من أحداث سنة خمس عشرة وسبعمائة:

ثم دخلت سنة خمس عشرة وسبعمائة:
ذكر فتوح ملطية:
في هذه السنة في يوم الأحد، الثاني والعشرين من المحرم، فتحت ملطية وسبب ذلك أن المسلمين الذين كانوا بها، اختلطوا بالنصارى، حتى أنهم زوجوا الرجل النصراني بالمسلمة، وكانوا يعدون الإقامة بالتتر ويعرفونهم بأخبار المسلمين، وكانت الأجناد والرجالة الذين بالحصون مثل قلعة الروم وبهنسا وكختا وكركر وغيرها، لا ينقطعون عن الإغارة على بلاد العدو، مثل بلاد الروم وغيرها، وكانت طريقهم في غالب الأوقات تكون قريب ملطية، فاتفق أن أهل ملطية ظفروا ببعض الغياره المذكورين، فأسروهم وقتلوا جماعة من المسلمين، فلما جرى ذلك، أرسل السلطان عسكراً ضخماً من الديار المصرية مع الأمير سيف الدين بكتمر الأبوبكري، ومع سيف الدين قلي، وسيف الدين أوول تمر، فساروا إلى دمشق، ورسم السلطان لجميع عساكر الشام المسير معهم، وجعل مقدماً على الكل الأمير سيف الدين تنكز الناصري نائب السلطنة بدمشق، وتقدمت مراسم السلطان إلي أولاً، بأن أجهز عسكر حماة صحبتهم وأن أقيم أنا بمفردي بحماة، ثم رأى المصلحة بتوجهي بعسكر حماة، فتوجهت أنا والعساكر المذكورة، ودخلنا إلى حلب في يوم الخميس والجمعة، ثالث عشر المحرم، لكثرة العساكر، فأبحرت في يومين، ثم سرنا من حلب إلى عين تاب، ثم إلى نهر مرزبان، ثم إلى رعبان، ثم إلى النهر الأزرق، وعبرنا على قنطرة عليه رومية، معمولة بالحجر النحيت لم أشاهد مثلها في سعتها، وسرنا وجعلنا حصن منصور يميننا، وصار منا في جهة الشمال، ووصلنا إلى ذيل الجبل ونزلنا عند خان هناك يقال له خان قمر الدين، وعبرنا الدربند، ويسمى ذلك الدربند بلغة أهل تلك البلاد بند طجق درا بضم الطاء المهملة والجيم وسكون القاف وفتح الدال والراء المهملتين ثم ألف، وبقي العسكر ينجر في الدربند يومين وليلتين لضيقه وحرجه، ثم سرنا إلى زبطرة، وهي مدينة صغيرة خراب، ثم نزلنا على ملطية بكرة الأحد المذكور، أعني الثاني والعشرين من المحرم، الموافق للسابع والعشرين من نيسان وطلبت العساكر ميمنة وميسرة، وأحدقنا بها، وفي حال الوقت خرج منها الحاكم فيها، ويسمى جمال الدين الخضر، وهو من بيت بعض أمراء الروم، وكان والده وجده حاكماً في ملطية أيضاً، ويعرف خضر المذكور بمزامير، ومعناه الأمير الكبير بلغة نصارى تلك البلاد، وفتح باب ملطية القبلي وخرج معه قاضيها وغيرهما من أكابرها، وطلبوا منا الأمان، فأمنهم الأمير سيف الدين تنكز مقدم العسكر، واتفق أن الباب القبلي الذي فتح، كان قبالة موقفي بعسكر حماة، فأرسلت الأمير صارم الدين أزبك الحموي وجماعة معه، وأمرته بحفظ الباب، فإني خفت من طمع العسكر، لثلا ينهبوا ملطية، وليس معنا أمر بذلك، وحفظ الباب حتى حضر الأمير سيف الدين تنكز، وكان موقفه في الجانب الآخر، فلما حضر، وأقام جماعة من الأمراء بحفظ باب المدينة، ثم إن العسكر والطماعة هجموا مدينة ملطية من الباب المذكور، وكذلك هجمها جماعة من العسكر من الجانب الآخر، وأراد سيف الدين تنكز منعهم عن ذلك، فخرج الأمر عن الضبط لكثرة العساكر الطماعة، فنهبوا جميع مفيها من أموال المسلمين والنصارى، حتى لم يدعوفيها إلا ما كان مطموراً، ولم يعلموا به، وكذلك استرقوا جميع أهلها من المسلمين والنصارى، ثم بعد ذلك حصل الإنكار التام على من يسترق مسلماً أو مسلمة، وعرضوا الجميع، فأطلق جميع المسلمين من الرجال والنساء، وأما أموالهم فإنها ذهبت، واستمر النصارى في الرق عن آخرهم، وأسر منها ابن كربغا شحنة التتر بتلك البلاد، وكذلك أسر منها الشيخ مندو، وهو صاحب حصن أركني، وكان مندو المذكور قعيداً لقصاد التتر، وكان يتبع قصاد المسلمين ويمسكهم، وكان من أضر الناس على المسلمين، ولما أمسك، سلم إلى الأمير سيف الدين قلى، وسلمه المذكور إلى بعض مماليكه التتر، فهرب مندو المذكور، وهرب معه المملوك الذي كان مرسماً عليه، ثم لما كان من نهب ملطية ما ذكرناه، ألقى العسكر فيها النار، فاحترق غالبها، وكذلك خربنا ما مكننا من أسوارها أن نخربه، وأقمنا عليها نهاراً واحداً وليلة.
ثم ارتحلنا عائدين إلى البلاد، حتى وصلنا إلى مرج دابق في يوم الخميس، ثالث صفر من هذه السنة، وأقمنا به مدة، وكان ببلاد الروم جوبان، وهو نائب خربندا، ومعه جمع كثير، وكنا مستعدين فلم يقدم علينا، ولا جاء إلى ملطية إلا بعد رحيلنا عنها بمدة، فاستمرينا مقيمين بمرج دابق، وترددت الرسل إلى أوشين بن ليفون صاحب بلاد سيس في إعادة البلاد التي جنوبي جيحان، وزيادة القطيعة التي هي الأتاوة، فزاد القطيعة حتى جعلها نحو ألف ألف درهم، وبعد ذلك ورد الدستور، سرنا من مرج دابق في يوم الخميس ثاني ربيع الأول، ووصلنا إلى حماة في يوم الخميس تاسع ربيع الأول، وبعد يومين من وصولي، وصل الأمير سيف الدين تنكز بباقي العساكر، وعملت له ضيافة بداري التي بمدينة حماة، فمضى هو والأمراء في يوم الأحد، ثاني عشر ربيع الأول، ثم سافر في النهار المذكور إلى دمشق.
وفيها في مدة مقامي بمرج دابق، قبض بمصر على أيد غدي شقير الحسامي، وكان من شرار الناس، وعلى بكتمر الحاجب، وعلى بهادر الحسامي المغربي.
وفيها جهزت خيل التقدمة إلى الأبواب الشريفة، صحبة مملوكي أستبغا، فحصل قبولها والإحسان علي أولاً بحصان برقي بسرجه، ولجامه، ثم بخلعه أطلس أحمر بطرز زركش، وكلوته زركش، وشاش تساعي، وهو شاش منسوج جميعه بالحرير والذهب، وقبا أطلس أصفر تحتاني، وحياصة ذهب بجامة مجوهرة بفصوص بلخش ولؤلؤ، وثلاثين ألف درهم، وخمسين قطعة من القماش السكندراني، وسيف، ودلكش أطلس أصفر، فلبست التشريف السلطاني المذكور، وركبت في الموكب به في يوم الخميس ثاني رجب الفرد، الموافق لثاني تشرين الأول، أيضاً وشملتني الصدقات السلطانية بتوقيع شريف، أن لا تكون بحماة وبلادها حماية للدعوة الإسماعيلية، أهل مصياف، بل يتساوون مع رعية حماة في أداء الحقوق والضرائب الديوانية وغير ذلك.
وفيها قبض على تمر الساقي، نائب السلطنة بالفتوحات، وعلى بهادراص.
وفيها سار الملك الصالح، واسمه صالح ابن الملك المنصور غازي ابن الملك المظفر قرا أرسلان، صاحب ماردين، إلى خدمة خربندا ملك التتر، بالتقادم على عادة والده، فأحسن إليه خربندا، ثم عاد الملك الصالح المذكور إلى ماردين في جمادى الآخرة من هذه السنة.
وفي أثناء هذه السنة ورد إلى الأبواب الشريفة، رميثة بن أبي نمي من مكة، وهو أخو حميضة الأكبر، مستنجداً على أخيه حميضة صاحب مكة حينئذ، فجهز السلطان مع رميثة عسكراً من العساكر المصرية، وجهزهم بما يحتاجون إليه، فسار بهم رميثة إلى مكة، وكان مقدم العسكر تمرخان بن قرمان أمير طبلخاناه، وأمير آخر يقال له طيدمر، وكان العسكر مائتين فارس من نقاوة عسكر مصر، فجمع حميضة ما يقارب اثني عشر ألف مقاتل، وتعبى العسكر المصري، وكان رميثة في القلب، وابن قرمان ميمنة، وطيدمر ميسرة، والتقوا واقتتلوا في عيد الفطر من هذه السنة، وراء مكة إلى جهة اليمن بمراحل، ورمى العسكر بالنشاب، فولى جماعة حميضة منهزمين لا يلوون، وكان لحميضة حصن إلى جهة اليمن، فهرب إليه وانحصر به، فأحاط به العسكر وحاصروه، فنزل حميضة برقبته مع ثلاثة أو أربعة أنفس، وهرب خفية، واحتاط العسكر على ماله وحريمه، وغنموا من ذلك شيئاً كثيراً، قيل إنه حصل للفارس من عسكر مصر ما يقارب عشرة آلاف درهم، وكان في الغنيمة من العنبر الخام وأمثاله ما يفوق الحصر، فأطلق السلطان ذلك جميعه للعسكر، واستقر رميثة صاحب مكة.
وفيها أفرج السلطان عن جمال الدين أقوش الذي كان نائباً بالكرك، ثم صار نائباً بدمشق، وأحسن إليه وعلى منزلته.
وفيها وصل قراسنقر إلى بغداد في رمضان هذه السنة، وتقدم مرسوم إلى التتر الذين ببغداد وديار بكر وتلك الأطراف، بالركوب مع قراسنقر إذا قصد الإغارة على بلاد الشام، وكان خربندا مقيماً بجهة موغان، وأقام قراسنقر وقدم عليه بها فدوى، وسلم قراسنقر، ولما دخلت سنة ست عشرة، توجه قراسنقر في مستهل المحرم من بغداد إلى جهة خربندا.
وفيها في ذي القعدة، ولد للسلطان ولد ذكر، ودقت البشائر لمولده في ديار مصر والشام، ثم توفي المولود المذكور بعد مدة يسيرة، وجهزت تقدمة لطيفة بسبب المولود المذكور صحبة طيدمر، فقدمها وحصل قبولها.
وفيها في جمادى الأولى وصل إلي من صدقات السلطان، حصان برقي أحمر بسرجه، ولجامه، صحبة عز الدين أيبك أمير اخور، فأعطيته خلعة طرد، وحشن بكلوته زركش، وفرساً بسرجه ولجامه، وخمسة آلاف درهم.
وفيها في أواخر ذي القعدة أغار سليمان بن مهنا بن عيسى، بجماعة من التتر والعرب على التراكمين والعرب النازلين قريب تدمر، ونهبهم وأخذ لهم أغناماً كثيرة، ووصل في إغارته إلى قرب البيضا بين القريتين، وتدمر، وعاد بما غنمه إلى الشرق.
وفي هذه السنة، أعني سنة خمس عشرة وسبعمائة توفي نجاد بن أحمد بن حجي بن بزيد بن شبل أمير آل مرا، وكانت وفاته في أواخر هذه السنة، واستقر بعده في أمر آل مرا، ثابت بن عساف بن أحمد بن حجي المذكور، وبقي ثابت المذكور، وتوبة بن سليمان بن أحمد، يتنازعان في الأمرة.
وفيها توفي بدمشق ابن الأركشي الذي كان نائباً بالرحبة لما حصرها خربندا، وكان قد عزل في تلك السنة، وأعطي أمرة بدمشق، وتولى الرحبة مكانه بكتوت القرماني، ثم عزل وولي على الرحبة بعده طغر بك الأنصاري.
ذكر أخبار أبي سعيد ملك المغرب:
وفي هذه السنة، أعني سنة خمس عشرة وسبع مائة، اجتمع العسكر على عمر ولد أبي سعيد عثمان، ملك المغرب، وبقي والده خائفاً من العسكر، واقتتل عمر المذكور مع والده أبي سعيد عثمان، وانتصر عمر، وهرب أبوه أبو سعيد إلى تازة، فسار ولده عمر وحصره بها، ثم وقع الاتفاق بينهما على أن يسلم أبو سعيد الأمر إلى ولده عمر المذكور، وأشهد عليه بذلك، وبقي أبو سعيد في تازة، وسار عمر بالجيوش إلى جهة فاس، فلحق عمر بعد أيام يسيرة مرض شديد، فكاتب عسكره أباه بمدينة فاس، وعنده بيوت الأموال والسلاح، فحصره أبوه أبو سعيد نحو تسعة أشهر، ثم وقع الاتفاق بينهما على جانب طائل من المال يتسلمه عمر المذكور، وأن تكون له سجلماسة، فتسلم عمر ذلك وسار من فاس إلى سجلماسة، وتسلمها واستقر أبوه أبو سعيد عثمان بن يعقوب بن عبد الحق في المملكة على ما كان عليه، وكان لعمر المذكور حينئذ من العمر نحو عشرين سنة.
وفيها توفي السيد ركن الدين وكان إماماً مبرزاً في العلوم المعقولات والمنقولات وشرح الحاوي الصغير، ومختصر ابن الحاجب في الفقه وفضائله مشهورة.

.ما وقع من أحداث سنة ست عشرة وسبعمائة:

ثم دخلت سنة ست عشرة وسبعمائة:
فيها في العشر الأخير من المحرم، الموافق لأواخر العشر الأوسط من نيسان، وترادفت الأمطار، فحصل سيول عظيمة في بلاد حلب وحماة وحمص، وغرق أهل ضيعة من بلاد حمص مما يلي جهة جوسية. وفيها في الثاني والعشرين من ربيع الأول الموافق لرابع عشر حزيران، وصل إلى حماه من ديار مصر، الأمير بهاء الدين أرسلان الدواداري، وأوقع الوصية على أخبار آل عيسى، ثم استقرت بالوصية على خبر مهنا ومحمد ابني عيسى وأحمد وفياض ابني مهنا المذكور، وركب الأمير بهاء الدين المذكور من عندي للجنا، وسار عليها إلى مهنا، واجتمع به على مربعة، وهي منزلة تكون يوماً تقريباً من السنة، يوم الاثنين سلخ ربيع الأول من السنة المذكورة، وتحدث معه في انقطاعه عن التتر، ولم ينتظم حال، فعاد الأمير بهاء الدين المذكور إلى دمشق، ثم عاد إلى موسى بن مهنا بالقرب من سلمية، ثم عاد إلى دمشق وتوجه هو وفضل بن عيسى إلى الأبواب الشريفة، واستقر فضل أميراً موضع أخيه مهنا، ووصل إلى بيوته بتل أعدا، في أوائل جمادى الأولى من هذه السنة.
ذكر مسيري إلى مصر:
في هذه السنة حصلت تقدمتي على جاري العادة، من الخيول والقماش والمصاغ، وسألت دستوراً لأتوجه بنفسي إلى الأبواب الشريفة، فورد الدستور الشريف، وسرت من حماة آخر نهار الجمعة، الخامس والعشرين من ربيع الآخر، الموافق لسادس عشر تموز، وكانت خيلي قد تقدمتني، فلحقتهم على خيل البريد بدمشق، وخرجت من دمشق في نهار وصولي إليها. وهو يوم الاثنين الثامن والعشرين من ربيع الآخر المذكور، ووصلت إلى القاهرة عشية نهار الأحد ثامن عشر جمادى الأولى، وأنزلت في الكبش، وحضرت بين يدي المواقف الشريفة السلطانية بكرة الاثنين تاسع عشر جمادى المذكورة، وشملني من الصدقات السلطانية ما يفوت الحصر من ترتيب الإقامات في الطرقات من حماة إلى مصر، ومن كثرة الرواتب مدة مقامي بالكبش، ومن الخلع لي ولكل من في صحبتي ووصلني بحصانين بسروجهما ولجمهما، أحدهما كان سرجه محلى ذهباً مصرياً، واتفق عند وصولي زيادة النيل على خلاف العادة، ووفى ماء السلطان وكسر بحضوري في نهار الخميس الثاني والعشرين من جمادى الأولى، الموافق لثاني عشر آب، وتاسع عشر مسري، وهذا شيء لم يعهد في جيلنا وأقمت في الصدقات السلطانية، ووصلني بثلاث خلع، أحدها أطلس تحتاني أصفر وفوقاني أحمر بطرز زركش، وكلوته زركش، وشاس تساعي. والأخرى قبا منسوج بالذهب، وطراز زركش يزيد عن مائة مثقال من الذهب المصري بفرو قاقم والخلعة الثالثة عند مسيري، قباً ثالثاً بالشرج، وتصدق علي بمدينة المعرة وقصبتها زيادة على ما بيدي، وكتب لي بها تقليد يشبه ما كتب لي حماة، ومدحني شهاب الدين محمود كاتب الإنشاء الحلبي بقصيدة، ذكر فيها صدقات السلطان وعود المعرة أضر بنا عن غالبها خوف التطويل فمنها:
بك تزهى مواكب وآسرة ** ولك الشمس والقواضب آسره

وبأيامك التي هي روض ** للأماني تجتني ثمار المسره

بك كل الدنيا تهني ويضحي ** قدرها عالياً وكيف المعره

وتوجهت من الأبواب الشريفة وأنا مغمور محبور بأنواع الصدقات السلطانية، وسرت من الكبش بعد العشاء الآخرة، من الليلة المسفرة عن نهار الجمعة، رابع عشر جمادى الآخرة، وقدمت مملوكي طيدمر الدوادار مبشراً على البريد لأهلي بحماة، ثم حقني إلى سريا قوش الأمير سيف الدين كجري أمير شكار، بسنقور، وكذك وصلني أحمال من الحلاوة والسكر والشمع زائداً عن الإقامات المرتبة في الطرقات، كذلك وصلني سيف محلى بالذهب المصري، وأتممت السير وتوجهت عن غزة زيارة، فزرت الخليل، ثم القدس، وسرت من القدس يوم الثلاثاء الخامس والعشرين من جمادى الآخرة، ودخلت دمشق يوم الأحد مستهل رجب، ولما أصبحت، سرت ما ودخلت حماة نصف الليلة المسفرة عن نهار الخميس خامس رجب الموافق للثالث والعشرين من أيلول، فإني قصدت في ذلك عدم التثقيل على الناس، فإنهم كانوا قد زينوا حماة واحتفلوا بالبسط لقدومي، فدخلت بغتة ليلاً لذلك ولم يكن عسكر حماة فيها، فإني جردتهم إلى حلب حسب المرسوم الشريف، وساروا من حماة إلى حلب يوم خروجي من حماة إلى الديار المصرية، فأقاموا بحلب، ثم جردهم نائب حلب إلى عين تاب ثم إلى الكختا، ثم عادوا إلى حماة في أول شعبان بعد قدومي بقريب شهر.
وفيها مرض الأمير سيف الدين كستاي نائب السلطنة بطرابلس والقلاع في يوم الأربعاء تاسع عشر ربيع الآخر، الموافق لثامن أيلول، فولى السلطان موضعه الأمير شهاب الدين قرطاي أحد أمراء دمشق حينئذ.
وفيها في جمادى الآخرة، سار مهنا بن عيسى، وكان نازلاً بالقرب من عانة، إلى خربندا، واجتمع به بالقرب من قنغرلان، ثم عاد إلى بيوته.
وفيها في ثاني عيد الفطر الموافق لتاسع عشر كانون الأول، وقع بحماة والبلاد التي حواليها ثلوج عظيمة، ودامت أياماً، وبقي على الأرض ذراع، ودام على الأرض أياماً وانقطعت الطرق بسببه وكان ثلجاً لم أعهد مثله، وكان البرد والجليد شديداً عاماً في البلاد، حتى جلد الماء في الديار المصرية، ووقعت الثلوج باللاذقية والسواحل.
وفيها جهزت صحبة لاجين المشد، تقدمة لطيفة، ومملوكاً يسمى يلدز، إلى المواقف الشريفة، فوصل بذلك وقدمه فقبله وشملتني صدقات السلطان صحبة لاجين المذكور، بمسامحات ما علي بضائع أجهزها مع كافة التجار في جميع البلاد، وكذلك زادني على المعرة بجملة غلال بلادها، وضاعف علي صدقاته، وكان وصول لاجين بذلك إلى حماة بالسابع والعشرين من شوال من هذه السنة أعني سنة ست عشرة وسبعمائة.
وفيها قصد حميضة بن أبي نمي خربندا مستنصراً في إعادته إلى ملك مكة، ودفع أخيه رميثة فجرد خربندا مع حميضة الدرفندي، وهو النائب على البصرة، وجرد معه جماعة من التتر وعرب خفاجة.
وفيها في ذي القعدة خرجت المعرة عني، وسبب ذلك أن محمد بن عيسى طلبها ليحضر إلى الطاعة، فأجيب إلى ذلك؛ وتسلمها نواب المذكور، وكتب إلى السلطان بما طيب خاطري من جهتها.
وفيها بلغ السلطان أن حميضة قد جهزه خربندا بعسكره وخزانة، صحبة الدرفندي، ليملكه مكة، فجهز السلطان نائبه في السلطنة، وهو المقر الأشرف السيفي أرغون الدوادار، فحج وحج العسكر صحبته، وعادوا سالمين وأما حميضة والدرفندي، فكان من أمرهما ما سنذكره.
وفيها لما قدم عسكر مصر إلى مدينة الرسول، كان مقدمهم المقر السيفي أرغون، فحضر إليه منصور بن حماد الحسيني صاحب مدينة الرسول فطلع معه يودعه إلى عيون حمزة، فخلع نائب السلطنة على منصور المذكور، وعلى ولده كبش بن منصور، وأعادهما إلى المدينة، فلما حضر المحمل المصري وصحبته العسكر خرج إليهم منصور فقبضوا عليه، وأحضر معتقلاً إلى بين يدي السلطان إلى ديار مصر، فتصدق عليه السلطان وأفرج عنه، وأمره بالعود إلى بلده.
وفي هذه السنة أعني سنة ست عشرة وسبعمائة في السابع والعشرين من رمضان مات خربندا أرغون بن أبغا بن هولاكو بن طلو بن جنكزخان، وكان جلوسه في الملك في أواخر في الحجة سنة ثلاث وسبعمائة، ومات بالمدينة الجديدة التي سماها السلطانية، وكان اسم بقعتها قنغرلان، فلما مات خطب بالسلطنة لولده أبي سعيد بن خربندا، وكان عمره نحو عشر سنين، واستولى على الأمر جوبان ابن الملك ابن تناون.
ذكر ما جرى لحميضة والدرفندي:
وكان خربندا قد جهز حميضة وجهز معه الدرفندي نائب السلطانة بالبصرة، وجهز معه عسكراً وخزانة، ليسير الدرفندي بالعسكر مع حميضه ويقاتل عسكر المسلمين الواصلين إلى الحج. ويملك حميضة بدل أخيه رميثة. فصار الدرفندي وحميضة ومن معهما من عسكر التتر والعرب، حتى جاوزوا البصرة، فبلغهم موت خربندا فتفرقت تلك الجموع، ولم يبق مع الدرفندي غير ثلاثمائة من التتر، وأربعمائة من عقيل عرب البصرة، وكان قد استولى على البصرة ابن السوايكي، فأرسل استوحى محمد بن عيسى على الدرفندي، فجمع محمد بن عيسى عربه عن خفاجة، وعرب إخوته وأولاد إخوته، وسار إلى الدرفندكط، فأحرز له بالقرب من البصرة واتقع معه، في العشر الأخير من ذي الحجة من هذه السنة، أعني سنة ست عشرة وسبعمائة، فانهزم الدرفندي في بضع وثلاثين نفساً من أزلامه، وانهزم حميضة برقبته، وأخذ حريم حميضة وما كان معه من الأموال، وكذلك الخيم والأثقال والجمال وكان ذلك شيئاً عظيماً، وفيها هرب التراكمين الكنجاوية إلى طاعة السلطان وفارقوا التتر.
فسارت التتر في طلبهم، فأنجد الكنجاويين عسكر البيرة واتقعوا مع التتر، فانهزم التتر هزيمة قبيحة، وأسر منهم نحو خمسين من المغل، وقتل منهم جماعة، ووصل الكنجاوية سالمين بذواتهم وحريمهم إلى البلاد الإسلامية.